اسماعيل بن محمد القونوي
512
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
هذا التقدير أما أولا فلأن قوله فأجيب بقوله الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ولم يقل أو أجيب بقوله والذين يؤمنون يأبى عنه وأما ثانيا فلأنه إذا فصل الموصول الثاني فقط كان الموصول الثاني ابتداء كلام لا جوابا لسؤال وهو ظاهر ولعل عدم تعرضه له لأن فصل الثاني وحده ضعيف لأن الموصول الثاني إما أن يتحد مع الأول أو لا فإن كان متحدا فحقه أن يجري على ما أجري عليه الأول فإن قطع عن ذلك وجعل مبتدأ فإن لم يجعل الاختصاص الحاصل من تعليق الحكم بالوصف الذي يتضمنه المبتدأ تعريضا بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا ومع ذلك أنهم يظنون أنهم على هدى كما ذكر في الكشاف فقد قطع عن حقه وأضيع فائدة الاستئناف بلا داع ظاهر مع أنه تكرار لما تقدمه وإن جعل تعريضا به كان فائدة مطلوبة يرتكب لها خلاف الظاهر والوجه في تصوير التعريض على ما قاله قدس سره أنه لما عبر عن المؤمنين بأنهم جامعون بين المنزلتين قابلهم بهذا الاعتبار من الانفراد بأحدهما وهم كفار أهل الكتاب فعرض بأن ظنهم أنهم على الهدى ظن كاذب وطمعهم في نيل الفلاح تخيل فارغ ومعنى الكلام أن الكتاب هدى للذين آمنوا به والذين لم يؤمنوا به ليسوا على هدى فالجملتان بحسب المعنى وإن تقابلتا في إثبات الإيمان وسلبه في الطرف ليسا على حد يحسن العطف بينهما فإن الأولى في وصف الكتاب بكمال الهداية للمؤمنين به والثانية لسلب الاهتداء عن طائفة أخرى لم يؤمنوا به ولو قيل المعنى على التعريض أن الكتاب هدى للمتقين وليس هدى لمن عداهم لفساد استعدادهم وعدم تدبرهم فالجملتان تكونان متناسبتين غاية التناسب فإن سلب كونه هدى لغير من صقل العقل واستعمله في تدبر الدلائل صفة كمال للكتاب كما أن كونه هدى لمن هو صحيح المزاج وتام الاستعداد وطالب السداد صفة كمال قال اللّه تعالى في شأن الكتاب : وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [ الإسراء : 82 ] في معرض مدح الكتاب لم يتوجه الإشكال المذكور بلا ارتياب إذ تفاوت أحوال الشيء بحسب المحال من أوصاف الكمال وإن كان الموصول الثاني مخالفا للأول كما هو المختار عند المصنف كان الأولى بالثاني أن يعطف على الأول تقسيما للمتقين فإن جعل مبتدأ بلا تعريض فقد ترك الأولى بلا سبب وفاتت نكتة السؤال المقدرة وكان التخصيص المستفاد من المعطوف منافيا في الظاهر لما استفيد من المعطوف عليه وإن قصد التعريض كان أظهر ولم يكن التخصيص مقصودا في المعطوف بل وسيلة إلى التعريض ويتعين أن يكون بالقياس إلى المعرض بهم والحال في العطف كما سلف ويمكن العناية التي ذكرناها في كون العطف حسنا بها وجعل الواو اعتراضية وإن أمكن لكنه خلاف الظاهر ولك أن تقول هذا وإن كان خلاف الظاهر لكنه سالم عن التكلف الذي يضطرب عنه الأذهان وخروج الواو عن العطف شائع ذائع فالتكلف الذي ذكره شراح الكشاف مما لا يناسب جزالة النظم الجليل فأشار المصنف إلى أن قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ليس للعطف بل جملة ابتدائية مسوقة لبيان أحوال مؤمني أهل الكتاب تعريضا لمن عداهم ولضعف هذا لم يتعرض له في ذيل قوله فكأنه الخ . ولم ينبه عليه فيما سبق ومن جملة أسباب ضعفه أنه على هذا التقرير يوهم اختصاص